الحوارات المؤجلة: أزمة فكر لا اختلاف مواقف!!/المرابط ولد محمد لخديم


يستحضر مصطلح “الفتوّة” في الذاكرة الشنقيطية، في وعيي الخاص، نموذجًا فريدًا من الرجال: العالم الموسوعي الذي لا تحدّه حدود التخصص، ولا تقف به المعارف عند عتبة علم واحد. وقد ترسّخ هذا المعنى في نفسي من خلال ما حدثني به شيخي العلامة الراحل حمدا ولد التاه، طيّب الله ثراه، وهو يستعيد هذا اللقب بوصفه شارة تميّز للعالم الجامع بين عمق التخصص وسعة الأفق.
  ومن هذا المدخل، أجدني أقرأ إنتاج الأستاذ الدكتور/ اسلكو ازيدبيه رئيس مجلس جائزة شنقيط، بوصفه امتدادًا معاصرًا لهذا النموذج؛ حيث ألمس في كتاباته حضور “الفتوّة” بمعناها العلمي الرفيع، ذلك الجمع النادر بين دقة المتخصص وانفتاح الموسوعي، وكأنني أمام عقل لا يكتفي بحقلٍ واحد، بل يتنقّل بين المعارف بثقة العارف وتمكّن الخبير. إذ يجمع بين التمكّن الرياضي الصارم والانخراط في قضايا فكرية وسياسية مركّبة، وهو ما يتبدّى بوضوح في مقاله الموسوم بـ“الحوارات المؤجلة”.
    في هذا المقال، يقدّم الكاتب تشخيصًا دقيقًا لحالة التباين داخل الساحة الموريتانية، حيث تتوزع مواقف العلماء والفقهاء –رغم وحدة المرجعية المالكية– بين أربعة اتجاهات: تيار إسلامي حركي، وآخر سلفي، وثالث تربوي محلي الطابع، ورابع يختار الصمت بوصفه موقفًا. غير أن أهمية هذا التصنيف لا تكمن في ذاته، بل في ما يكشف عنه من غياب إطار جامع للحوار، قادر على استيعاب هذا التعدد وتوجيهه.
     ومن خلال القراءة المتأنية للمقال، يتضح أن أطروحة “الحوار المؤجّل” لا تقف عند حدود توصيف الاختلاف، بل تتجاوزه إلى نقد ضمني لحالة العجز عن إدارة هذا الاختلاف. فالمشكلة، كما يلمّح الكاتب، ليست في تعدد المواقف، وإنما في غياب المساحات المشتركة التي تُناقش فيها هذه المواقف بوعي ومسؤولية.
   ويعزّز المقال حجّته باستحضار تجربة الحركات “الجهادية” خلال العقود الأخيرة، حيث يشير إلى ما آلت إليه من اختراقات وتوظيفات خارجية، أدّت –في كثير من الحالات– إلى تحويل مسارها من مقاومة موجّهة إلى صراعات داخلية مدمّرة. وهنا تتجلّى إحدى أهم زوايا القراءة: أن غياب الحوار الرشيد لا يظل فراغًا محايدًا، بل سرعان ما تملؤه مشاريع التفتيت والاستنزاف.   

     كما يلفت المقال النظر إلى مفارقة لافتة، تتمثل في انصراف هذه الحركات إلى الداخل، في مقابل ضعف الاحتكاك مع الخصوم الحقيقيين، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات، ويطرح تساؤلات جدّية حول المرجعيات الفكرية والفقهية التي تؤطّر هذا السلوك.
     وفي مستوى آخر من التحليل، يطرح الكاتب نقدًا ضمنيًا لهيمنة خطاب “حوار الأديان” في الفضاء الإعلامي والفكري، مقابل تراجع الحديث عن حوارات أكثر إلحاحًا، كالحوار داخل البيت السني نفسه، والحوار السني–الشيعي. ومن زاوية القراءة، يمكن فهم هذا الطرح بوصفه دعوة لإعادة ترتيب سلّم الأولويات: إذ لا يمكن لأي خطاب وحدوي خارجي أن ينجح، ما لم يُبنَ على حدّ أدنى من التماسك الداخلي.
      إن القيمة الأساسية لهذا المقال تكمن في كونه لا يقدّم أجوبة جاهزة بقدر ما يطرح أسئلة محرجة، تتعلق بمسؤولية النخب العلمية والدينية في إدارة الخلاف، وبقدرتها على الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق الحوار. وهو، في هذا المعنى، يندرج ضمن الكتابات التي تسعى إلى تحريك الساكن أكثر من سعيها إلى حسم الجدل.
      يمكن القول إن “الحوارات المؤجلة” ليس مجرد مقال في توصيف واقع، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في آليات إنتاج الموقف، وفي ضرورة بناء فضاءات حوارية جادة، تكون قادرة على تحصين المجتمعات من الانزلاق إلى صراعات عبثية، واستعادة الحد الأدنى من وحدة الوجهة في زمن تتكاثر فيه التحديات.

شاهد أيضاً

الكتاب القصير الثالث/حدود العقل وآفاق الإيمان في ضوء المخالفة والتنزيه/ الدكتور محمد ولد أحظانا

    يواصل المفكر والكاتب الدكتور محمد ولد أحظانا حضوره الفكري المتجدد عبر إسهامات مميزة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *