
العقل والفطرة في ضوء الهداية القرآنية
والآن، عزيزي القارئ، بعد أن تبيّن لنا حقيقةُ العقل وقدرتُه على الإدراك والإنتاج، وأيقنّا بوجود تشريعٍ سماويٍّ منزّل من عند الله سبحانه وتعالى، يتضح لنا أن هذا العقل قد يهتدي إلى أصل الحقيقة، غير أنه لا يستقلّ بمعرفة الله على وجهها التام إلا إذا استنار بنور الوحي، وانسجم مع نداء الفطرة التي أودعها الله في الإنسان.
فالقرآن الكريم لا يخاطب جانبًا واحدًا من الإنسان، بل يتوجّه إلى كيانه كلّه؛ يخاطب العقل بالحجّة والبرهان، ويخاطب القلب بالموعظة والتذكير، ويوقظ الفطرة بما يلامس أعماقها. ولذلك تتكرّر فيه الدعوة إلى إعمال الفكر، كما في قوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 184]،
وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]،
وفي الوقت نفسه يستثير الوجدان ويوقظ القلب، كما في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الحديد: 16].
ومن هنا ندرك أن ما انتهينا إليه من أن الإنسان عقلٌ وعاطفة، وأن العاطفة محرّك والعقل موجّه، هو عين ما يقرّره المنهج القرآني؛ إذ لا يُغفل جانبًا على حساب آخر، بل يقيم توازنًا دقيقًا تتحقّق به إنسانية الإنسان.
وهنا تتجلّى «سلسلة القرآن والمعنى»؛ فالقرآن لا يكتفي بعرض الحقيقة عرضًا مجرّدًا، بل يبنيها في النفس بناءً متدرّجًا: يبدأ بإثارة السؤال، ثم يوجّه النظر، ثم يقيم البرهان، ثم يُحدث الأثر الوجداني الذي يثمر الإيمان.
فهو يخاطب العقل ليُدرك، ويخاطب القلب ليخشع، فيجمع بين الفهم والتأثر.
وقد أكّد القرآن هذا الترابط بين النظر والخشية، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]،
ثم بيّن أثر هذا النظر بقوله:
{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [191].
فجعل التفكّر طريقًا، وجعل الخشية ثمرةً واستجابة.
وعلى هذا، فإن الفطرة التي فُطر الإنسان عليها ليست ميلًا غامضًا، بل هي استعدادٌ أصيل لتلقّي المعنى القرآني؛ فإذا جاء الوحي خاطبها بما يوقظها، وإذا نظر العقل في الكون والإنسان والحياة، التقى مع دلالات القرآن التقاءً يورث اليقين.
ولذلك نرى هذه الحقيقة ماثلةً في واقع الناس؛ فحين تضيق بهم السبل، وتنقطع الأسباب، تعود الفطرة إلى أصلها، كما قال تعالى:
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65]؛
وكأن الحجب إذا زالت، نطق الوجدان بنداء التوحيد الكامن في الأعماق.
وهذا يدلّ على أن القرآن لا يُنشئ الفطرة من عدم، وإنما يوقظها ويهديها ويهذّبها. ومن هنا جاء منهجه في معالجة «العقدة الكبرى» منهجًا متكاملًا؛ يبدأ بربط الإنسان بالواقع المحسوس:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17]،
ويستثير فيه السؤال الوجودي:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]،
ثم يوصله إلى الحقيقة الجازمة:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62].
وهكذا تكتمل «سلسلة القرآن والمعنى»: سؤالٌ يحرّك العقل، ونظرٌ يربطه بالواقع، وبرهانٌ يقوده إلى اليقين، ثم إيمانٌ يملأ القلب سكينةً وطمأنينة.
ومن هذا المنطلق، فإن حلّ العقدة الكبرى لا يكون صحيحًا إلا إذا جاء وفق هذا النسق القرآني: تفكيرٌ عقليٌّ منضبط بالواقع، يفضي إلى معنى يلامس الفطرة، فيُشبع حاجة الإنسان ويمنحه يقينًا راسخًا.
أما إذا تُركت النفس لملء فراغها بالوهم أو الخيال، فقد تهدأ لحظة، لكنها لا تبلغ الطمأنينة الحقيقية التي عبّر عنها القرآن بقوله:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وعليه، فإن القرآن لا يقدّم للإنسان مجرّد أجوبة جاهزة، بل يرسم له منهجًا متكاملًا في التفكير والشعور؛ منهجًا يبدأ من إدراك الواقع، ويمرّ بالتأمل فيه، وينتهي إلى إيمانٍ يجمع بين نور العقل وسكينة القلب.
وهنا تتجلّى عظمة هذا المنهج الربّاني؛ إذ لا يفصل بين الفكر والمعنى، ولا بين العقل والعاطفة، بل يجعل الإنسان وحدةً متكاملة: يهتدي بالوحي، ويفكّر بالعقل، ويطمئن بالفطرة، ليجد الجواب الشامل عن سؤاله الأكبر: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين المصير؟
فإذا استقرّ هذا المعنى في النفس، تحوّلت الأسئلة من قلقٍ مُربك إلى بداياتٍ لليقين، وأصبح البحث طريقًا إلى السكينة لا بابًا للاضطراب… يتواصل….
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
آفاق فكرية بحث، معرفة، تبادل ثقافي