مع القرآن لفهم الحياة الحلقة(18) تساؤلات؟! واعجاز يتجاوز حدود الادراك البشري!! القرآن يُبرّئ عيسى عليه السلام/ المرابط ولد محمد لخديم

المسيح عليه السلام و”الروح منه”: قراءة قرآنية وردّ على المزاعم التوراتية.
    ورد في القرآن الكريم أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام هو “روح منه”، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].
    وتُفهم عبارة “روح منه” على أنها وصف للمسيح بأنه روح عالية القدسية، من الأرواح الطاهرة الخيّرة المطيعة لله، وليست من الأرواح الخبيثة أو الشيطانية، كما زعم أعداؤه. فالإضافة هنا للتشريف والتكريم، لا للدلالة على الاتحاد أو الحلول، كما أوضح السياق القرآني ونفاه صراحة بقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
وقد أثيرت تساؤلات كثيرة حول دلالة عبارة “روحٌ منه”، وذهب بعض المتأثرين بالفهم النصراني إلى اعتبارها دليلاً على أن المسيح جزء من الذات الإلهية، بينما يرى الفهم القرآني المحكم أن هذه الإضافة هي إضافة تشريف، لا تبعيض.
 أولًا: تفسير “روح منه” في السياق القرآني
     تفيد الآية أن المسيح عليه السلام روحٌ عاليةٌ، قدسيةٌ، طاهرةٌ، خيّرةٌ، من الأرواح العلوية، لا من الأرواح الأرضية النجسة أو الشريرة، كما كان يزعم أعداؤه. فالتعبير “منه” بعد “الروح” هو تأكيد لطهارة الروح وعلوّ مصدرها، وردّ صريح على ما رُوِّج في حقه من افتراءات، خاصة من جانب اليهود وبعض أقربائه.

ثانيًا: موقف اليهود وبعض أقرباء المسيح عليه السلام.
      ورد في إنجيل مرقس (الإصحاح الثالث، العدد 22) أن الكتبة اليهود قالوا عن المسيح:
“إن معه بعلزبول، وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين.”
وفي نفس الإصحاح (العدد 30): “وقالوا: به شيطان.”
بل إن بعض أقربائه أنفسهم لم يسلموا من هذا الاتهام، إذ ورد في (العدد 21): “خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا: إنه مختل العقل.”
وكان من المعتقدات الشائعة آنذاك أن اختلال العقل سببه الأرواح النجسة، فاتهموه بأنه ممسوس بها، وشاع هذا الافتراء، وتوارثته الأجيال حتى زمن البعثة المحمدية، فجاء القرآن ليدحض تلك الأباطيل، ويؤكد براءة المسيح عليه السلام، قائلاً: “وروحٌ منه”.

ثالثًا: إضافة “منه” لا تعني الاتحاد أو الحلول.
       لو اعتبرنا أن الإضافة في “روح منه” تفيد الحلول أو التبعيض، للزم أن يكون جميع الأنبياء والمؤمنين كذلك، لأن الكتاب المقدس نفسه يصرح بأنهم “من الله” كما في رسالة يوحنا الأولى (الإصحاح الرابع، العدد 1 و6)، بل لكان إبراهيم عليه السلام “جزءًا من الله” وفق تعبير بني حث في سفر التكوين (الإصحاح 23، العدد 6).

رابعًا: الإضافة إلى الله في القرآن: تشريف لا تبعيض
         ليست عبارة “روح منه” فريدة في القرآن من حيث الإضافة إلى الله، بل وردت إضافات مشابهة تدل كلها على التشريف لا التبعيض. ومن ذلك:
1. آدم عليه السلام: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29].
2. ناقة صالح عليه السلام: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13].
3. البيت الحرام: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: 125].
4. عبد الله (النبي صلى الله عليه وسلم): ﴿وَإِنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ…﴾ [الجن: 19].
      فكما أن “بيت الله” لا يعني أن الله يسكن فيه، و”ناقة الله” لا تعني أنها جزء من ذاته، فكذلك “روح منه” لا تعني أن المسيح جزء من الله تعالى، بل هي روح من الأرواح التي خلقها، مضافة إليه تشريفًا وتكريمًا.

خامسًا: الروح من علم الغيب.
          تبقى الروح من الأمور التي استأثر الله بعلمها، كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85].
وقد اختلف المفسرون في فهم هذه الآية، فمنهم من رأى أنها نهي عن الخوض في هذا الغيب، ومنهم من رجّح أن المراد بالأمر هنا: شأن إلهي لا يحيط به عقل بشري. والدليل أن النص لم يقل “من علم ربي”، بل قال “من أمر ربي”، والفرق بين الأمر والعلم كبير.
ورغم ذلك، ألّف العلماء المسلمون عبر العصور كتبًا في محاولة لفهم أسرار الروح، مثل كتاب الروح لابن القيم والروح لابن سينا.
تأسيسا على ماسبق نجد أن: تعبير “روح منه” لا يحمل أي دلالة على اتحاد المسيح بالله، أو كونه جزءًا من الذات الإلهية، وإنما هو تعبير عن رفعة مكانته وطهارة مصدره، وتأكيد لبراءته من تهم اليهود والضالين.
يبقى وصف المسيح عليه السلام بأنه “روح منه” وصفًا تشريفيًا، يفيد علو منزلته وقدسية روحه، وردًا بليغًا على التهم التي لاحقته من بني قومه.
وهذا المفهوم يتكامل مع العقيدة الإسلامية في فهم طبيعة النبوة، والتمييز بين الخالق والمخلوق، وبين الإضافة التشريفية والإضافة الذاتية. وبهذا يبرئ القرآن الكريم المسيح عليه السلام.
وأما الحديث عن الروح عمومًا، فإنه من الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلم حقيقتها، ولاسبيل الى ادراكها.
مفهوم الموت والخلود…..يتواصل…

شاهد أيضاً

كتب الشيخ عبدات بمناسبة مولود شيخ محظرتنا بتندوجه الشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديا/ الفرحة الكبرى؛

سلام عليكم جميعا، بعد خروج من هذا الفضاء طيلةَ الشهر الكريم ها أنا أطِل عليكمْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *