مع القرآن لفهم الحياة الحلقة(17) تساؤلات؟! واعجاز يتجاوز حدود الإدراك البشري!! مفهوم الروح في الإسلام؛/ المرابط ولد محمد لخديم

مفهوم الروح في الإسلام؛
     تُعد مسألة الروح من أعظم القضايا الغيبية التي تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد دلّت النصوص على أن حقيقتها مما استأثر الله بعلمه، فلا مجال للعقل أو الحس لإدراك كنهها. وقد جاء في قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]،
ما يقطع بأن معرفتها الحقيقية لا تكون إلا بالوحي، وفي حدود ما دلت عليه النصوص الشرعية، وضمن الأطر اللغوية والاعتقادية الإسلامية.
فالروح من أمر الله، لا يدرك حقيقتها العقل البشري ولا الحس الظاهري، ولا سبيل إلى الخوض في جوهرها إلا بما أذن الله به من البيان، كما قال تعالى:
﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].
وقد اتفق علماء السلف، كما نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن الروح مخلوقة، مستدلين بالآية:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]،
وهي آية عامة تشمل كل ما عدا الله سبحانه وتعالى، بما في ذلك الروح، فهي ليست ذاتًا إلهية ولا صفة من صفاته، بل مخلوق من مخلوقاته، شأنها في ذلك شأن الملائكة والجن والإنس.
ومن أدلة خلق الروح أيضًا قوله تعالى مخاطبًا زكريا عليه السلام:
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]،
فهو خطاب يشمل الجسد والروح معًا، إذ لا يُعقل أن يُخاطب الجسد وحده دون روحه.

وكذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [الأعراف: 11]،
فدلّ ذلك على أن الخلق يشمل الروح، إذ هي قوام الإنسان وحقيقته.
الفرق بين الروح والنفس:
فرّق العلماء بين مفهومي الروح والنفس، ووضح الإمام ابن القيم في كتابه الروح أن “النفس” قد تطلق في القرآن على الإنسان بكامله، كما في قوله تعالى:
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ..﴾ [النور: 61]،
وقد تطلق على الروح خاصة، كما في قوله:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27].
أما “الروح” فلم تأتِ في القرآن إلا للدلالة على شيء غيبي شريف، لا يُطلق أبدًا على الجسد أو البدن مجردًا.
معاني الروح في القرآن الكريم:
وردت كلمة “الروح” في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها:
1. الوحي:
﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ﴾ [الشورى: 52].
2. جبريل عليه السلام:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: 193].
3. التأييد الإلهي:
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} [المجادلة: 22].
4. الفرج والرحمة:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
5. النعيم والمغفرة:
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍۢ [الواقعة: 89].

     ومن أبرز المواضع التي ورد فيها ذكر الروح، وصف المسيح عيسى عليه السلام بأنه:
﴿… وروحٌ منه﴾ [النساء: 171].
      وقد حمل هذا التعبير القرآني معاني التكريم والتطهير لعيسى عليه السلام، ردًا على افتراءات اليهود الذين وصفوه – كما ورد في الأناجيل – بأنه ممسوس أو مسكون بروح شريرة.
     ففي إنجيل مرقس (الإصحاح الثالث، العدد 22)، نُسب إلى الكتبة قولهم إن المسيح “بعلزبول” – أي رئيس الشياطين – وأنه يخرج الشياطين باسمه. كما جاء في العدد 30: “إن به شيطان”، بل وصل الأمر في العدد 21 إلى قول أقربائه: “إنه مختل العقل”.
      وكان من المعتقدات السائدة آنذاك بين اليهود وسكان فلسطين أن الأمراض العقلية أو الاضطرابات النفسية هي أثر من آثار الأرواح الشريرة، وهو ما رسّخ تلك التهم في أذهان الناس.
     وهنا تأتي عظمة التعبير القرآني الذي يبرئ المسيح من تلك المزاعم، ويثبت مقامه الرفيع، ويؤكد أنه
“روحٌ منه”،
     أي روح طاهرة مباركة من عند الله، لا شيطانية ولا مدنسة، وقد أُلقِيَت إلى مريم بأمر الله لا بفعل بشر.
      وبذلك، يبيّن القرآن الكريم بجلاء أن المسيح عيسى ابن مريم عبدٌ من عباد الله، ورسول من رسله، وكلمة من الله ألقاها إلى مريم، وروح منه، أي روح مباركة خُلقت بأمر الله، على نحو غير مسبوق، يشهد على طهارته، ويدفع عنه تهم الشيطنة والاختلال التي لحقت به زورًا وبهتانًا.
      يتضح من خلال ما سبق أن موقف القرآن من “الروح” يقدّم تصورًا متّزنًا ومترفعًا، يجعلها من أمر الله، ويمنع الخوض في كنهها إلا بوحي. كما أن موقفه من المسيح عليه السلام يجمع بين التوقير والنفي القاطع لكل الشبهات القديمة التي ألصقها به أعداؤه، فيكشف حقيقة رسالته وطهارة روحه ومكانته بين أولي العزم من الرسل.
يتواصل…

شاهد أيضاً

مع القرآن لفهم الحياة الحلقة(13). تساؤلات؟! واعجاز يتجاوز حدود الإدراك البشري!!/المرابط ولد محمد لخديم

     الروح ليست نقيضا للموت ولكنها العامل الأساسي لاستمرار الحياة.       أما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *